ابن أبي العز الحنفي
237
شرح العقيدة الطحاوية
فإن قيل : فأي فرق بين قول الداعي : « بحق السائلين عليك » وبين قوله : « بحق نبيك » أو نحو ذلك ؟ فالجواب : أن معنى قوله : « بحق السائلين عليك » أنك وعدت السائلين بالإجابة ، وأنا من جملة السائلين ، فأجب دعائي ، بخلاف قوله : بحق فلان - فإن فلانا وإن كان له حقّ على اللّه بوعده الصادق - فلا مناسبة بين ذلك وبين إجابة دعاء هذا السائل . فكأنه يقول : لكون فلان من عبادك الصالحين أجب دعاي ! وأي مناسبة في هذا وأي ملازمة ؟ وإنما هذا من الاعتداء في الدعاء ! وقد قال تعالى : ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ الأعراف : 55 . وهذا ونحوه من الأدعية المبتدعة ، ولم ينقل عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، ولا عن الصحابة ، ولا عن التابعين ، ولا عن أحد من الأئمة رضي اللّه عنهم ، وإنما يوجد مثل هذا في الحروز والهياكل التي يكتب بها الجهال والطرقية . والدعاء من أفضل العبادات ، والعبادات مبناها على السنة والاتباع ، لا على الهوى والابتداع . وإن كان مراده الإقسام على اللّه بحق فلان ، فذلك محذور أيضا ، لأن الإقسام بالمخلوق لا يجوز ، فكيف على الخالق ؟ ! وقد قال صلى اللّه عليه وسلّم : « من حلف بغير اللّه فقد أشرك » « 213 » . ولهذا قال أبو حنيفة وصاحباه رضي اللّه عنهم : يكره أن يقول الداعي : أسألك بحق فلان ، أو بحق أنبيائك ورسلك ، وبحق البيت الحرام ، والمشعر الحرام ، ونحو ذلك حتى كره أبو حنيفة ومحمد رضي اللّه عنهما أن يقول الرجل : اللهم إني أسألك بمعقد العزّ من عرشك ، ولم يكرهه أبو يوسف رحمه اللّه لما بلغه الأثر فيه « 214 » . وتارة يقول : بجاه فلان عندك ، يقول : نتوسل إليك بأنبيائك ورسلك وأوليائك . ومراده أنّ فلانا عندك ذو وجاهة وشرف ومنزلة فأجب دعاءنا . وهذا أيضا محذور ، فإنه لو كان هذا هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلّم لفعلوه بعد موته ، وإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه ، يطلبون منه أن يدعو لهم ، وهم يؤمّنون على دعائه ، كما في الاستسقاء وغيره . فلما مات صلى اللّه عليه وسلّم
--> ( 213 ) صحيح ، رواه أحمد والحاكم وصححه . « الارواء » ( 2561 ) . ( 214 ) قلت ، هو حديث مرفوع موضوع ، كما بينه الزيلعي في « نصب الراية » ( 4 / 273 ) .